الشيخ محمد رشيد رضا
591
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعين المراد ، وفيما رواه البخاري ومسلم في كتاب الايمان من صحيحهما شواهد صريحة في ذلك ومن أهمها أحاديث أقل الايمان المنجي في الآخرة وحديث « الايمان بضعة وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » ولهذا حمل بعض الناس زيادة الايمان على زيادة العمل اللازم له ، وبعضهم على زيادة ما يتعلق به الايمان الذي فسروه بالتصديق القطعي ، والحق أن الايمان القلبي نفسه يزيد وينقص أيضا فان إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم كان مؤمنا باحياء اللّه للموتى لما دعاه أن يريه كيف يحييها ( قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) فمقام الطمأنينة في الايمان يزيد على ما دونه من الايمان المطلق قوة وكمالا ، ويروى عن علي المرتضى كرم اللّه وجهه : لو كشف الحجاب ما ازددت يقينا . وهذا أقوى من الايمان بالبرهان وهو أقوى من إيمان التقليد الذي قال به الأكثرون إذا وافق الحق وكان يقينا ، والعلم التفصيلي في الايمان أقوى وأكمل من العلم الاجمالي ، مثال ذلك أن الايمان بتوحيد اللّه تعالى لا يكمل إلا بمعرفة أنواع الشرك الظاهر والباطن التي تنافيه أو تنافي كماله ومنها ما هو أخفى من دبيب النمل ، وقد ورد في الدعاء المأثور « اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم » رواه ابن حبان والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلي وغيرهم من حديث أبي بكر ( ض ) وضعفه ابن حبان والبيهقي وحسنه غيرهما وكم من مدع لتوحيد اللّه وناطق بكلمة الاخلاص وهو يعبد غير اللّه بدعائه مع اللّه أو من دون اللّه و « الدعاء هو العبادة » رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من حديث النعمان ابن بشير مرفوعا ومثل آخر : من آمن بأن للّه تعالى علما محيطا بالمعلومات ، وحكمة قام بها نظام الأرض والسماوات ، ورحمة وسعت جميع المخلوقات ، وكان علمه بهن إجماليا لو سألته أن يبين لك شواهده في الخلق لعجز عنها - لا يوزن إيمانه بايمان ذي العلم التفصيلي بسنن اللّه في الكائنات وعجائب صنعه فيها على النحو الذي جرى عليه العلامة المحقق ابن القيم في كتابه تفصيل النشأتين والإمام أبو حامد في كتاب التفكر من الاحياء ، وقد اتسعت معارف البشر بهذه السنن والاسرار في كل نوع من أنواع المخلوقات فعرفوا منها ما لم يكن يخطر عشر معشاره لاحد من علماء